ابراهيم بن عمر البقاعي
446
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
هكذا كان الأصل ولكنه قال : مِمَّنْ كَذَبَ تعميما وتعليقا بالوصف ، فكفر بستر الصدق الثابت وإظهار ما لا حقيقة له . ولما كان الكذب عظيم القباحة في نفسه فكيف إذا كان كما مضى على الأكابر فكيف إذا كانوا ملوكا ، فكيف إذا كان على ملك الملوك ، لفت القول إلى مظهر الاسم الأعظم تنبيها على ذلك فقال : عَلَى اللَّهِ أي الذي الكبرياء رداؤه والعظمة إزاره ، فمن نازعه واحدة منهما قصمه ، فزعم في كذبه أن له سبحانه أندادا ، وشركاء وأولادا . ولما كان وقوع الحساب يوم القيامة حقا لكونه واقعا لا محالة وقوعا يطابق الخبر عنه ، لما علم من أنه لا يليق في الحكمة غيره ، لما علم من أن أقل الخلق لا يرضى أن يترك عبيده سدى ، فكيف بالخالق ؟ فكان الخبر به صدقا لوقوع العلم القطعي بأنه يطابق ذلك الواقع قال : وَكَذَّبَ أي أوقع التكذيب لكل من أخبره بِالصِّدْقِ أي الإخبار بأن اللّه واحد ، وأنه يبعث الخلائق للجزاء المطابق كل منهما للواقع لما دل على ذلك من الدلائل المشاهدة إِذْ جاءَهُ أي من غير توقف ولا نظر في دليل ، كما هو دأب المعاندين ، أولئك هم الكافرون لهم ما يضرهم من عذاب جهنم ، ذلك جزاء المسيئين . ولما كان قد تقرر كالشمس أنه لا يسوغ في عقل عاقل ترك الخلق سدى ، فكان يوم الدين معلوما قطعا ، وكان معنى هذا الاستفهام الإنكاري نفي مدخوله فترجمته : ليس أحد أكذب منهم ، وكان عرف اللغة في تسليط هذا النفي على صيغة أفعل إثبات مدلول أفعل ليكون المعنى أنهم أكذب الخلق ، فكان التقدير : أليس هذا الكاذب المكذب عاقلا يخشى أن يحاسبه اللّه الذي خلقه ؟ أليس اللّه المتصف بجميع صفات الكمال يحاسب عباده كما يحاسب كل من الخلائق من تحت يده ؟ أليس يحبس الظالم منهم في دار انتقامه كما يفعل أدنى الحكام ؟ أليس دار انتقامه جهنم التي تلقى داخلها بعبوسة وتجهم ؟ نسق به قوله : أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ أي النار التي تلقى داخلها بالتجهم والعبوسة كما كان يلقى الحق وأهله مَثْوىً أي منزل مهيأ للإقامة فيه على وجه اللزوم لهم هكذا كان الأصل ، ولكنه قال تعميما وتعليلا بالوصف مبينا أن الكذب كفر أي ستر للصدق وإظهار لما لا حقيقة له ، والتكذيب بالصدق كذلك لِلْكافِرِينَ * أي الذين ستروا كذبهم فألبسوه ملابس الصدق وستروا الصدق الذي كذبوا به ، ذلك جزاء المسيئين لأنهم ليسوا بمتقين ، فأقام سبحانه هذه المقدمة دليلا على تلك المقدمات كلها . ولما ذكر سبحانه الظالمين بالكذب ذكر أضدادهم الذين يخاصمونهم عند ربهم وهم المحسنون بالصدق فقال : وَالَّذِي أي الفريق الذي جاءَ بِالصِّدْقِ أي الخبر